You are here:الصفحة الرئيسية » أخبار RegisterLogin
beiteddine

خيارُ السلم الأهلي ليس "استسلاماً"
29 تموز, 2010

بقلم صالح حديفة (البلد) - لا مجالَ لأيّ حديثٍ يتناول الأوضاع العامة في البلاد اليوم إلا وأن يتمحور حول قرارٍ ظنّي يُرتقب صدوره عن المدّعي العام الدولي في المحكمة الخاصة بلبنان دانيال بلمار، بعد ما بات هذا القرار يشغل من جديد أفكار اللبنانيين ومتابعين كُثر لشؤون لبنان وشجونه، بعضهم قلق عليه وآخرون متربصون به.


وفي سياق هذا القرار الظنّي، فإن الظنون بأنّه سيوجﱢه الاتهام لمجموعة "غير منضبطة" من عناصر "حزب الله" باتت أقرب إلى نتيجةٍ يبدو أن بعض الخارج يجهد لوصول القرار إليها، فيما يصلّي كلّ الداخل اللبناني بألاّ يحصل ذلك.

وعلى وقع تحذيرات أمين عام "حزب الله" السيد حسن نصرالله من أي اتجاه للتعاطي مع هكذا قرار وصفه بـ "الاسرائيلي" مشددًا على أن المحكمة الــدولــيــة في هــذا الإطـــار ليست إلا "مشروعًا إسرائيليً ا"، وداعيً ا إلى تشكيل لجنة لبنانية لبتﱢ أمــر "الشهود الزور "في التحقيق الدولي، وفي وقت كان رئيس الحكومة سعد الحريري" ولــيّ الــدم "يعلن ومن على منبر ا لمؤ تمر ا لتأ سيسي لـ" تيار المستقبل "أن روح الرئيس الشهيد رفيق الحريري" لن تكون سببً ا للفتنة في لبنان "، خرج رئيس" اللقاﺀ الديمقراطي "النائب وليد جنبلاط بموقفٍ لافت ـ كعادته، أطلقه فــي مناسبة تكريم وفد دروز عرب فلسطين في المختارة، سأل فيه عن الجدوى التي كان من الممكن أن توصل إليها محكمةٌ دولية فيما لو طالب بها آنذاك إثر اغتيال والده كمال جنبلاط، ذاك الاغتيال الــذي كان سبباً لـ "قتل وتهجير مسيحيين" أبرياﺀ.

   بعضهم في لبنان، أخذ كلام جنبلاط حول "جــدوى المحكمة" وبنى عليه تحليلاً اعتبره "متقدّمً ا"، رأى فيه أن "جنبلاط بــات يقود اليوم حملة التخلّي عن المحكمة الدولية بعد أن قــاد هــو نفسه حملة الوصول إليها"، لكن واقع الأمور يكشف أن تحليلات هؤلاﺀ الذين يطيبُ لهم وصف جنبلاط بــمــن "رفــــع رايــــة الاســتــســلام" والتنظير عليه، تثبت من جديد أن جنبلاط كان محقّا في قوله عنهم "إنهم لم يدركوا بعد ما يجري من حولهم".

فجنبلاط في موقفه إنّما أراد توجيه انتباه الجميع إلى خطورة أن يؤدّي القرار الظنّي للمحكمة الدولية إلى واقع مأسوي شبيه بذلك الذي أثاره اغتيال والده في العام 1977 وما تلاه من أحداث وتطورات أغرقت البلاد في أتون الحرب الأهلية قرابة العشرين عامًا، وهو الذي شدد في الموقف عينه على أهمية اتفاق الطائف، ثم تحدّث عن نسيان البعض لــهــذا الاتــفــاق بــمــا فــيــه البند المتعلّق بالهدنة مع إسرائيل، ما أوحــى أن في كلامه ردّا غير مباشر على سيناريوهات يسوّق لها البعض حــول احتمال جرّ البلاد إلى مواجهة مع إسرائيل هربً ا من واقع داخلي مأزوم، وفي خلفية تفكيره الواقع الإيراني المأزوم أيضً ا مع المجتمع الدولي بــعــد الــعــقــوبــات الــتــي فرضها على طهران مجلس الأمن، وتلك التي أقرّها آخرون عليها بشكل أحــادي، معطوفة على "عدائية غير مبررة" من الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد تجاه روسيا، وهـــذا أكــثــر مــا يــزعــج جنبلاط ويقلقه في آن.

وعــلــى هـــذا الأســــاس، يشدد جنبلاط على أن الأجدى والأفضل لمواجهة أي أزمة داخلية لبنانية يكمن في أن "يستفحل" التعقّل وحسّ المسؤولية لدى المعنيين من قيادات لبنانية وعربية على حدّ، سواﺀ لأن "الحكمة وحدها" اليوم هي الأولَــى في منع تكرار أي قتل أو تهجير جديدين لأبرياﺀ آخــريــن مــن هنا أو هــنــاك، وهي السبيل الوحيد لتحويل "الآتي الأعــظــم" إلــى حــدثٍ من السهل تخطّيه.

وجنبلاط يدرك كذلك أن حماية لبنان بعد الحرب الأهلية وعودة الاستقرار إليه لم يكرّسهما إلا اتــفــاق الــطــائــف بما شكّله من غــطــاﺀ عــربــي تمثّل بالسعودية وسورية آنــذاك، ولــذا فهو يجهد اليوم ويدعو لتأمين هذه الحماية مجددً ا، وتمتين الوضع الداخلي اللبناني لمنع انزلاقه نحو أيّ ما قد يعيده إلى زمن الفتنة والاقتتال، وذلك عبر تجديد الرعاية العربية الجامعة، وبــالأخــص السعودية السورية لاتفاق الطائف، وقيامهما بجهد مشتر ك محلّيً ا وإ قليميً ا ودوليًا يُبعد عن لبنان شبح الفتنة الذي يبدو قادمً ا من بعيد.

وإزاﺀ ذلــك، فــإن جنبلاط يعوّل على دور "الرجل الحكيم" الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز، ويأمل في أن تثمر جهوده العربية مع الرئيس السوري بشار الأسد تأكيداً للاستقرار في لبنان، دون أن يعني ذلك مطلقً ا وفي أيّ لحظة مــن اللحظات مطالبةً جنبلاطية بالتخلّي عن مطلب كشف الحقيقة في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، خصوصًا وأنه مطلب حظيَ بالإجماع اللبناني على طاولة الحوار ما يجعل من الخطأ توصيفه بـ "المشروع الإسرائيلي"، وبذلك فإن كلام جنبلاط كان واضحً ا في توجيه رسائلَ إلى جميع الأفرقاﺀ في الداخل لدعوتهم إلى الابتعاد عن إطلاق توصيفات لن تخدم أبداً الوحدة الوطنية وأجــواﺀ، الهدوﺀ خصوصً ا إذا ما تبيّن لاحقً ا أنها توصيفات بُنيت على دسائس إعلامية ربّما إسرائيلية المصدر، قد لا يحتوي القرار الظنّي أيّا منها.

جنبلاط في الوقت عينه يدعو إلــى الاستعداد لاحتمالات أخرى خصوصً ا وأن إسرائيل قادرة على التسلل تحت أي عنوان لضرب السلم الأهلي في لبنان، وهذا ما لا يتم بالتصعيد أو السجالات عبر المنابر وفــي الــخــطــب، بل بـــالـــحـــوار الـــهـــادئ والــمــبــاشــر والصريح لتكريس تفاهم وطني متين يمنع أي مؤامرة من النفاذ إلــى الــبــنــيــان اللبناني الــهــشّ أســاسً ــا، وهــو لذلك كــرر دعوته لبعض فرقاﺀ 14 آذار للتوقف عن تصريحات "استفزازية" وأن يكونوا جزﺀً ا من الإجماع العربي على استقرار لبنان مثلما كانوا تمامً ا عند توقيع اتفاق الطائف، فيما كان الخاسر الوحيد آنذاك مَن رفض الاتفاق بما مثّله من مظلّة حماية للبنان وبابٍ لوقف الاقتتال الداخلي.

وإذ يــأمــل جــنــبــلاط فـــي أن يــدرك ذلــك جميع اللبنانيين ومن دون، استثناﺀ وأن يبتعدوا عــن لــغــة الــتــخــويــن والتهديد والتهويل، يؤكد أن لبنان على أبــواب مرحلة دولية وإقليمية جـــدّ خــطــيــرة ومـــعـــقّـــدة، لا بــدّ لتخطّيها من "قـــرارات صعبة" من الجميع قد يتطلّب اتخاذها تضحيا تٍ مهما غلَت ستبقى أرخص كثيرً ا من وصف أصحابها بـ "ا لمستسلمين"، وبا لتأ كيد خيارً ا أفضل من دفع لبنان نحو الهاوية التي حفرها البعض له عميقًا جدا.

 

|
Arab Aswaq
جميع الحقوق محفوظة Terms Of UsePrivacy Statement